هل أسهمت حركة التأليف في صياغة مشروع نهضوي عربي؟
المشروع النهضوي لأي أمة هو مشروع ذو آفاق مستقبلية وتطلعات اجتماعية وسياسية وثقافية وعلمية وتقنية وتنموية عامة، مبني على تشخيص للواقع يبدأ بالوعي والإرادة والتحفيزعلى النهوض والإصلاح والتقدم..
وحين تقدم حركة التأليف والنشر رصداً للواقع، وتحليلاً له، وتجارب متقدمة لأمم حققت نقلات حضارية كبيرة، فإنها تسهم في بلورة رؤى وأهداف ومسارات، وفي تكوين إرادات وقرارات وخطط واستراتيجيات، تؤدي إلى النهضة، أو إلى الإسهام في صياغة مشروع نهضوي متكامل.
وقد أصبح المشروع النهضوي العربي موضع اهتمام المثقفين والمفكرين وبعض الساسة العرب منذ ثلاثة عقود من الزمن على الأقل، بعد أن استقطب موضوع النهضة العربية والتحرير والاستقلال والإصلاح، جهود رجال الفكر والأدب في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. وقد كُتب في هذا الموضوع الكثير، ودار سجال حوله، وعقدت ندوات ومؤتمرات خُصصت للبحث في هذا الشأن. ونشرت الأبحاث والمناقشات والتوصيات وما يمكن أن نسميه قرارات في كتب وأعداد خاصة وملفات في مجلات عربية جادة كثيرة.
إن كل ما يمكن أن يتقدم بالأمة معرفياً وعلمياً وتقنياً وثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً.. هو في صلب مشروعها الحضاري المنشود . لقد كتب كثير من المفكرين والباحثين والكتّاب في مشرق الوطن العربي ومغربه كتباً ودراسات ومقالات، وشاركوا في حوار وندوات ومؤتمرات تحت عناوين منها «نحو مشروع حضاري نهضوي عربي»، أو «المشروع النهضوي العربي»، أو غير ذلك .. وحين نذكر كتباً وأبحاثاً لمحمد عابد الجابري، وعبد الله العروي، وعبد الكبير الخطيبي، وعصمت سيف الدولة، وحسن حنفي، ومصطفى الفقي، والحبيب الجنحاني، والطيب تيزيني، وأحمد صدقي الدجاني، ونديم البيطار، ومحمد جابر الأنصاري، وجورج طرابيشي، وخير الدين حسيب، وغيرهم كثير، ونقارب الحصيلة السياسية والوعي العربي العام المنضج على طريق تحقيق هذا المشروع، سواء في إطار رؤية نظرية متكاملة، أم في جهود سياسية واقتصادية وثقافية وعلمية عربية .. حين نفعل ذلك نجد أن الحصيلة العملية أقل بكثير من الجهود التي بذلت والتطلعات والشعارات المرفوعة والآمال الكبيرة.
حركة التأليف: قضايا وإشكاليات
حول ماذا يكتب العرب؟
إذا ألقينا نظرة على نتائج التقرير العربي الأول للتنمية الثقافية الذي أصدرته مؤسّسة الفكر العربي في العام 2008 نقف على الأرقام الآتية: 1 ـ أن العدد الإجمالي لمنشورات الوطن العربي من الكتب خلال عام 2007 هو «27809» عناوين تقريباً. ومنه يتبيّن أن كل 11950 فرداً من سكان الوطن العربي أنتجوا عنواناً واحداً أو أصابهم عنوان واحد من إجمالي الكتب المنشورة. وهذه المنشورات موزعة حسب الأصناف وفق الآتي:
الأدب والبلاغة «7060» عنواناً، العلوم الاجتماعية «6351» عنواناً، الديانات «5157» عنواناً، التاريخ والجغرافية «2769»عنواناً، التكنولوجيا والعلوم التطبيقية «2208» عناوينٍ، العلوم البحتة «1129» عنواناً، المعارف العامة « 960 » اللغات «909» عناوين، الفلسفة وعلم النفس «714» عنواناً، الفنون «552» عنواناً.
والأرقام السابقة تضعنا وجهاً لوجه أمام الحقائق التالية:
1 ـ أن التأليف في مجال العلوم النظرية والتكنولوجيا والعلوم لتطبيقية يحتلّ مرتبة متدنية بين عدد المنشورات التي لا تكاد تساوي بمجملها نسبة ضئيلة من إنتاج بلد متقدم.
2 ـ أن معظم المنشورات هو في حقلي الأدب والديانات «13411» أي ما يقارب النصف، وأن العلوم التطبيقية والنظرية بمجموعها وصلت إلى « 3337» عنواناً أي ثُمن عدد المنشورات تقريباً.
أدب الطفل.. هل أخذ مكانته المستحقة في حركة التأليف العربي؟
لا يحظى أدب الطفل في الوطن العربي بالاهتمام الكافي، ولا نستطيع القول إنه أخذ مكانة تليق بالحاجة إليه في حركة التأليف في هذا الوطن . فقطاع الأطفال والشباب يقارب 60% من السكان بينما الموجه إليه من الإنتاج الأدبي لا يشكل 10% من الإنتاج. ولعل رصد أدب الطفل يكشف عن بعض الظواهر السلبية منها شيوع الكتابة بلغة عربية غير سليمة، وشيوع استخدام العامية في الكتابة، وتقديم نصوص ليس فيها إضافات لغوية ومعرفية ضرورية في المفردات والأسلوب والمعارف العلمية.. الأمر الذي يفقد أدب الطفل إحدى أهم وظائفه. والواقع ان أدب الطفل عندنا بحاجة ماسة إلى تخصص، وتشجيع، وعمق في المعالجة، ومساعدة في القراءة لإيصال بعض النصوص إلى القراء الأطفال بصورة مفيدة وسليمة ومشجعة على المطالعة وإقامة صداقة مع الكتاب . وعلى صعيد آخر، لا تحظى صناعة الكتاب المقدّم للطفل بالاهتمام الكافي، وهي من العوامل المشجعة للطفل على القراءة، بحيث تلعب الصور والرسوم الفنية والتوضيحية الموحية، ونوع الخط والحرف، والإخراج الفني، ونوع الورق.. إلخ، كلّ ذلك يلعب دوراً مهماً في جذب للطفل للكتاب وحثه على القراءة.. وهذه الصناعة على الخصوص تحتاج إلى مزيد من العناية.
كتب ذوي الاحتياجات الخاصة: أين هي على قائمة اهتماماتنا؟
هناك كتب عديدة عن الإعاقة والتعامل مع المعاقين وما يتصل بهذا الباب، وهي كتب موجهة لمن يتعاملون مع المعاقين، أو للمربين والمختصين في المجالات التربوية. ولكن الكتب الموجهة للمعاقين أنفسهم، وبالأسلوب الذي يمكّن كلاً منهم من التعلّم والحصول على المعرفة، على الرغم من إعاقته، أي الكتب المنهجية والثقافية والعلمية، فإنها قليلة جداً، وكذلك تلك السمعية والبصرية التي يمكن قراءتها باللمس، أي بطريقة بريل. والجدير بالاهتمام في مجال النشر الخاص بذوي الإعاقة الخاصة هو الكتاب المنشور بطريقة بريل Louis Braille للمكفوفين، والكتاب المسموع، والمجسمات، والوسائل المساعدة على القراءة.
والكتب المنشورة بهذه الطريقة هي كتب مدرسية وجامعية بالدرجة الأولى، وهي خدمات تقدمها وزارات التربية والتعليم وبعض الجامعات للتلاميذ والطلاب. وهناك دور نشر خاصة تعمل بطريقة بريل وهي قليلة جداً جداً وتقدم بعض الكتب الأدبية ومنها قصص للأطفال. ولا ينشر من الكتاب الواحد في أحسن الأحوال أكثر من مئة نسخة. وهناك مكتبات تقدم خدمات مأجورة لذوي الاحتياجات الخاصة في هذا المجال مثل نسخ كتاب بطريقة بريل يختاره المعاق نفسه. ولا يوجد مؤلف خاص لكتب بطريقة النشر بريل، لأن ما يقدم للمعوقين في هذا المجال كتب مدرسية أو جامعية أو أدبية وفكرية وعلمية..إلخ نسخت بطريقة بريل. ولا يقوم الناشرون بمبادرات خاصة في هذا المجال بل يكتفون بتحويل كتب رائجة جداً إلى طريقة بريل وتسويقها.
تجارب عربية ناجحة
هناك تجارب ناجحة عربية في مجال النشر بعضها يشكّل ريادة وبعضها يقدّم قدوة، وبعضها يشكل حافزاً على العمل.. ومن تلك التجارب ما هو في القطاع العام وما هو في القطاع الخاص. وهناك أيضاً تجارب أهلية على الصعيد الدولي. ومن أهم التجارب العربيّة الناجحة:
1 ـ مشروع "كتاب في جريدة":
بدأ في بعض دول أميركا اللاتينية تحت إشراف اليونيسكو باسم «الكتاب الدوري» وكان الهدف نشر قراءة الكتب بالإسبانية والبرتغالية. بحيث تجلّى الهدف في أن يعتاد الأطفال على قراءة الكتب. وتوجهت اليونيسكو إلى تعميم هذا المشروع الذى ترعاه حالياً مؤسسة “MBI Al Jaber Foundation”.
وفي 31/12/2002، أقرّ المجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو في دورته رقم (170) اعتبار “كتاب في جريدة” وبرنامج أرابيا Arabia (تنمية الثقافة العربية في الخارج) مشروعين متكاملين لمنظمة اليونسكو في المنطقة العربية.
وقد انطلقت قائمة الكتب المختارة الأولى في شباط/ فبراير 1996 وصدر العنوان الأول منها « مختارات من شعر المتنبي» في 11/5/2009 وقد بدأ الآن إصدار كتب المئة الثانية من كتب المشروع، الذي يوزع الآن 3 ملايين نسخة «مطوية» شهرياً في الدول العربية.
2 ـ مشروع القراءة للجميع "مكتبة الأسرة":
مشروع «مكتبة الأسرة» في مصر من أبرز المشروعات الثقافية المصرية خلال السنوات السابقة والحالية، وذلك بعد أن كادت القراءة تُنسى كوسيلة لتغطية الفراغ في ما يفيد وينفع العقل ويزوّد النفس ببهجة المعرفة، لإشاعة الفكر المستنير، تحت شعار «للطفل .. للشاب .. للأسرة»، وإتاحة مطالعة الأجيال المختلفة للتراث التنويري، وبخاصة الشباب، ليتحقق لهم وعي وإدراك يبعدهم عن الزيف والتخلص من الأمية الثقافية .. وقد بدأت مكتبة الأسرة بأربع سلاسل فقط في عام 1994.. ثم تزايدت أعداد السلاسل إلى أن وصلت إلى 16 سلسلة في عام 2004
عام 2005 اتخذت مكتبة الأسرة لنفسها ثوباً جديداً، فتمّ إدماج بعض السلاسل واستحداث سلاسل أخرى، وكان نتيجةً لهذا التحديث أن وصل مجموع السلاسل إلى 9 سلاسل وهي الأدب، الفكر، العلوم الاجتماعية، العلوم التكنولوجية، الفنون، المئويات، التراث، سلسلة الطفل، مسابقة سوزان مبارك. وقد تجاوز عدد إصدارات مكتبة الأسرة أربعة آلاف عنوان.. وتُتابَع أهداف مكتبة الأسرة إلى أن تصل إلى الغاية التي تصبو إليها، لا سيما إيجاد جيل قارئ ومثقف في شتى المجالات.
3 ـ مركز دراسات الوحدة العربية:
يهدف المركز إلى تهيئة المعلومات والبيانات الإحصائية والوثائق ومصادر البحث عن مختلف شؤون المجتمع العربي والقيام بإعدادها بحيث تكون صالحة لمختلف أغراض البحث العلمي في الوحدة، بما في ذلك تكوين مكتبة وافية لهذا الغرض، ومخاطبة جميع فئات المجتمع العربي بمختلف شرائح الأعمار والاختصاصات بالشكل والأسلوب المناسبين، واستخدام أفضل وسائل الاتصال الثقافي الممكنة.
يعطي المركز أولوية للإنتاج في مجال التأليف على الإنتاج في مجال الترجمة، ويبحث المسائل غير المختلف عليها أولاً، ويهتم بالمناهج الدراسية في البلدان العربية. ومنشورات المركز جادة، وموثقة، وهادفة، ومرتفعة السعر نسبياً، وتتناول بالبحث مواضيع سياسية واقتصادية وفكرية وثقافية واجتماعية ونفسية. كما يتم إصدار سلاسل كتب الإحصاء والوثائق المتعلقة بالوحدة العربية، بالإضافة إلى قصص للأطفال، وسلسلة الدراسات العسكرية، وسلسلة التراث العربي الوحدوي.
وقد أصدر المركز حتى الآن مئات الكتب التي يُقبل عليها المثقفون والباحثون والقرّاء الجادون بالدرجة الأولى، ويصدر مجلة المستقبل العربي منذ أيار/ مايو 1978.
هل يحصل المؤلف العربي على حقوقه؟
يشكو المؤلفون العرب في أغلب الأحيان من أمرين:
• ضآلة العائدات المتحققة للمؤلف من القطاع العام، وقلة عدد النسخ المطبوعة، وعدم انتشار الكتاب نظراً لتعرضه لما تتعرض له انظمة السلع وأسواقها من أزمات تنعكس على حركة الكتاب.
• ضآلة العائدات المتحققة للمؤلف من القطاع الخاص في أغلب الأحيان، ونقص حاد في انتشار الكتاب، مع شكوك في مصداقية النشر، لاسيما في عدد النسخ المباعة أو المطبوعة، وكيفية إجراء المحاسبة ومواقيتها، واختلاف السوق العربية باختلاف المردود المادي، وتسعيرة الكتاب التي ترتبط، لدى الناشر الخاص، بالعرض والطلب، وتغيرات سعر صرف العملة الذي غالباً ما يتغير عند التعامل مع القارئ ولا يتغير عند التعامل مع المؤلف.
ومن خلال هذه المعطيات نجد حقوق المؤلف العربي، لا سيما المادية منها، تتعرض للانتقاص، وقد يجري الاعتداء على حقوقه المعنوية في حالات نادرة. وفي حال حصوله على حقوقه المادية كاملة فإنها لا تحقق له تحرراً من الحاجة وتفرغاً للكتابة، وقليل من المؤلفين يتفرغون للكتابة معتمدين على دخلهم من كتبهم.. لأن عدد النسخ المطبوعة من الكتاب العربي هو 3000 إلى 5000 نسخة في المتوسط العام، ولا نتكلم على الاستثناءات، وهذه النسخ لا تباع كلها في كثير من الحالات ، ومن ثم فإن عائدات المؤلف بحسب نسبة من سعر الغلاف لا تعطيه ما يستحق، ولا تحرره، ولا تجعل الجمهور درعه الذي يحتمي به.
فالقطاع العام حاكم على نحو ما، ومحكوم بظروف وروتين وولاءات وأمراض تنعكس على حركة النشر ومن ثم على المؤلفين، والقارئ العربي لا يحرر مؤلفه من الحاجة.
ولا شك أن كفالة الحماية القانونية للملكية الفكرية أمر مطلوب ويؤسس لنهضة فعلية في مجالات النشر تنعكس على مجالات أخرى، ويضع العلاقات في هذا المجال، في نطاق القوانين النافذة التي يتولى تنفيذها القضاء والمحاكم والهيئات القانونية المختصة، ويتابعها مختصون في مجالاتها، وتؤدي إلى إرساء تقاليد وقواعد عمل ومعايير ثابتة، وتسهم في تكوين أطر بشرية مؤهلة.
كما أن العمل على انضمام دول الوطن العربي، كوحدة ثقافية واحدة، إلى الاتفاقية العالمية لحماية حقوق المؤلف، بوصفه وحدة لغوية وثقافية.. يعد من الأمور الحيوية في مجالات التأليف والنشر والملكية الفكرية، نظراً لانعكاساته الإيجابية على أطراف صناعة الكتاب، وملفات الإبداع والابتكار والاختراع وفي طليعتهم المؤلف.
النشر بين تحديات الماضي.. وآفاق الحاضر
المخطوطات: تراث أمة وتحقيق يحتاج إلى ضوابط
المخطوطات مكوّن رئيس من مكوّنات ذاكرة الأمة وهويتها ورصيدها الحضاري، وهي تحفظ تراث الأمة وإبداعها الفكري والعلمي والأدبي والفني. والأمة العربية من أكثر الأمم التي تركت تراثاً ضخماً من المخطوطات، ويعتبر وول ديورانت في كتابه قصة الحضارة أن ما امتلكه ابن العميد من الكتب في مكتبته يفوق أوروبا مجتمعة. ويقدّر الباحثون عدد المخطوطات العربية بين ثلاثة وأربعة ملايين مخطوط موزعة في أنحاء العالم.. منها ما لا نعرف عنه شيئاً لأنها لم تحصر وتُفهرس أو لم تُنشر فهارسها وتُجمع. وعلى هذا فإنه يصعب الجزم بعدد المخطوطات العربية الموجودة في العالم لأنه لا توجد عملية إحصاء وفهرسة شاملة كاملة، ولذلك لا يمكن الاطمئنان إلى رقم محدد، والإشارة إلى أربعة أو ثلاثة ملايين مخطوط لا تعني أربعة ملايين أو ثلاثة ملايين عنوان، لأن هناك الكثير من النسخ المخطوطة للعنوان الواحد..
لقد ضاع أو تلف أو نُهب الكثير من المخطوطات العربية بسبب الكوارث والحرائق والحروب والإهمال، وسرق الاستعمار الغربي الكثير منها ونقلها إلى أوروبا وأمريكا.. وآن لنا أن نحافظ على ما تبقى منها، وأن نستعيد ما هو موجود بيد الآخرين مما نُهِب أو فُقِد.. وأن نوقف عمليات التهريب والنهب والسرقة والإتلاف والضياع التي تعاني منها المخطوطات في أقطار عربية الآن، مثل العراق واليمن وموريتانيا والصومال.. فكيف السبيل إلى ذلك في الأوضاع العربية الراهنة، ومن الجهة التي تستطيع القيام بذلك، وبأيّ إمكانيات؟
النشر الإلكتروني في الوطن العربي .. آفاق وتحديات
النشر في الوعاء الإلكتروني يتيح خدمات سريعة ومتنوّعة للكاتب والباحث والقارئ، وتتزايد المواقع الجادة وغير الجادة بشكل مستمر، كما يتزايد الإقبال على القراءة بالوعاء الإلكتروني. وتتنوّع المكتبة الرقميّة وتتّسع باستمرار، لكن النشر الرقمي ما زال يصطدم بتحديات عدة، منها ما هو قانوني يتعلق بحقوق المؤلف المادية والمعنوية وكيفية المحافظة عليها، وبحقوق الناشر والحقوق المجاورة المتصلة بالملكية الفكرية، ومنها ما هو فنّي يتعلق بدقة النص وأصالته والإحالات المرجعية والفهارس.
إن القراءة في الوعاء الإلكتروني هي أمر مهم، ولكن توجد أمية تقنية تضاف إلى الأمية الألفبائية في هذا المجال، والمشكلة التي تعترض قارئ المادة المنشورة بالوعاء الإلكتروني هي مشكلة إمكانيات وتقنيات، فليس كل قارئ بقادر على قراءة الكتب المنشورة رقمياً، ولا يتاح لأبناء الأرياف والفقراء من الناس اقتناء حاسوب والاتصال بشبكة «الأنترنيت»، . إن مثل هذا التطوير للتعامل يشكّل جسر العبور الكبير نحو مستقبل نشر الكتاب بالوعاء الإلكتروني. ومن ثم يصبح الكتاب المنشور بهذا الوعاء كتاب المستقبل.
إن من الأهمية بمكان أن تقوم ثقة بين الكتاب المتاح بالوعاء الإلكتروني وبين القارئ، وأن يجد المهتم المادة الأدبية أو العلمية التي ينشدها بأمانة يمكن الاعتماد عليها، وأن يحمل الكتاب في الوعاء الإلكتروني مادة الكتاب كاملة بحواشيها ومصادرها ومراجعها، وأن يأخذ كل من المؤلف والناشر حقوقه. فهل يستطيع النشر الرقمي، ذو الأفق المستقبلي الواسع الواعد، أن يؤمن ذلك ويحظى بالثقة بعد أن تفوق في توفير المادة الثقافية المعرفية والعلمية بسرعة؟
نحو سوق عربية مشتركة للكتاب
الحديث عن سوق عربية مشتركة للكتاب يبدأ من الوعي بالصعاب والعقبات التي تحدّ من حركة توزيع الكتاب العربي. وهو موضوع ينطوي على جوانب اقتصادية عدة. وهناك وقائع تشير إلى وجود مشكلات ومعاناة في وصول الكتاب إلى القارئ العربي في وقت مناسب وسعر ملائم، سواء أكان ذلك القارئ في العواصم العربية أم في المدن والأرياف. وهذا مرتبط بحركة التوزيع والقائمين عليها والظروف المحيطة بها. وتأتي إقامة معارض الكتاب مناسبات سنوية تتوافر فيها نسخ محدودة من عناوين كتب متنوعة قد لا تصل إلى هذا القطر العربي أو ذاك إلا في تلك المناسبات، ولكن ذلك يشير إلى الأزمة ولا ينهيها.
إن آليات توزيع الكتاب قاصرة وغير منتظمة وتنعكس سلبياً على توزيع الكتاب، ومن أسباب ذلك: القدرات المحدودة للموزّع، بحيثُ توجد شركات متواضعة الإمكانيات والتمويل، وتعاون ثنائي بين موزعين تشوب علاقاتهم المالية وتعاقداتهم أحياناً شوائب تؤثر على الثقة، وعقبات ومعوقات تعود للرقابة والشحن وتحويل العملات بين المصارف العربية المحكومة بنظم مصارف أجنبية تخضع بدورها للسياسة وتقلباتها. ويشكو الموزعون من ذلك الذي ينعكس بالنتيجة على حركة التوزيع. وحركة التوزيع العربية ينبغي أن تشمل اثنتين وعشرين دولة عربية، لكل منها حدودها ونظم رقابتها وجماركها وآليات عملها.. وهي تعاني من البيروقراطية، ومن واقع طرق مواصلات ووسائط شحن قد لا تكون قادرة على الوصول إلى أقطار عربية متجاورة، فكيف تصل إلى جغرافية طبيعية وبشرية تمتد من موريتانيا إلى العراق.. إذا لم تكن هناك شركات للتوزيع والشحن تملك وسائط نقل برية وبحرية وجوية قادرة على توصيل الكتاب والمجلة والجريدة إلى القارئ؟!
إن معظم قطاع التوزيع في الوطن العربي قطاع خاص، وفي بعض الدول العربية مؤسسات أو جهات رسمية تقوم بتوزيع الصحف والمجلات والكتب. ومعظم الموزعين يهتمون بتوزيع الصحف والمجلات وقليل منهم من يختص بتوزيع الكتاب. وهناك اتحاد للموزعين العرب يضم معظم الموزعين، وللاتحاد نظام داخلي، وقد وضع ميثاق شرف يحكم المهنة والموزعين والعلاقات في ما بينهم من جهة، وبينهم وبين الناشرين من جهة أخرى. وهناك من الناشرين من يعمل موزعاً أيضاً.
ومؤسسات القطاع العام في بعض الدول العربية تحصر التوزيع فيها بموجب القوانين والأنظمة القطرية النافذة. وهي تجعل المتعاملين معها، من ناشرين أو مؤلفين، في حالة إذعان تعاقدي بسبب حصر التوزيع، وهم يقبلون ذلك حتى لا يخسروا السوق. وفي بعض الحالات تُكدَّس منشورات وتُعاد إلى أصحابها مرزومة كما أرسلوها، إذا لم يلاحِقوا ويدفعوا المفروض لأشخاص، ويضطرون للقيام بشيء مماثل لكي يستوفوا حقوقهم في الوقت المناسب أو في نهاية المطاف، وهم يسكتون على ذلك حتى لا تُخلق لهم متاعب غير متوقَّعة أو غير منظورة أو غير منتظَرة من طرفهم.
إن إشاعة مناخ تعاون قومي بين الاتحادات القومية والمنظمات العربية المعنية والمسؤولة ، كفيل بإيجاد حلول لمشكلات قائمة ومتفاقمة، وبفتح آفاق أوسع أمام حركة نشر أفضل في الوطن العربي.
إن قيام «شركة عربية للنشر والتوزيع» على المستوى القومي، تعتمد على مشاركة القطاعين العام والخاص وتكون شركة مساهمة محدودة، تعمل وفق أنظمة خاصة ومعترف بشخصيتها الاعتبارية عربياً، ومدعومة من صندوق عربي عام ينشأ لدعم الكتاب والصناعات الثقافية العربية عموماً، أمر في غاية الأهمية ويحقق طموحاً نحو شراكة عربية مسؤولة عن حركة التوزيع في الوطن العربي. على أن يُرصد لهذه الشركة رأس مال كاف يمكنها من أداء مهامها بما في ذلك امتلاك أو استخدام أساطيل نقل، وأن تُسند المسؤولية في إدارتها إلى مختصين ومقتدرين على العمل من ذوي الخبرة والقدرة والنزاهة في مجالاته ومراحله المختلفة، ومن المعروفين باستشعارهم لدور حركة التأليف والنشر ومنزلتها في الحياة الثقافية ودورها في النهضة الحضارية لأي أمة من الأمم.
ـ هل نستحق أن يراودنا الحلم بتحرير المؤلف والمبدع باعتماده على القارئ والسوق، وذلك بطباعة وتوزيع وتسويق مائة ألف نسخة من الكتاب الثقافي العام أو من كتب الأدب والدراسات الإنسانية على الأقل في الوطن العربي، وخمسة وعشرين ألف نسخة من الكتب المتخصصة، وعشرة آلاف من الكتب العلمية الخالصة والتقنية في طبعة أولى..؟
ـ وهل نتطلع إلى سوق مفتوحة ومزدهرة، وإلى تلاق خلاق للكتاب والمبدعين والمفكرين والناشرين والموزعين يعيد الحيوية لساحاتنا العربية ويربطها روحياً وعملياً بالأصالة والمعرفة؟
ـ هل يمكن أن نتطلع إلى توافق عربي عام على إخراج الكتاب من إطار السلعة ووضع ضوابط جمركية للتعامل معها بوصفها مادة ثقافية « فكرية وإبداعية وعلمية وتقنية.. إلخ تختلف عن الأغذية والمنسوجات ومواد البناء..مثلاً.
ـ هل نتطلع بأمل إلى تعاون بين الناشرين والموزعين والجهات الرسمية المعنية يحمي المؤلف والكِتَاب والقارئ من أضرار مادية ومعنوية تلحق بكل منهم، نتيجة الخلل القائم في علاقات المسؤولين عن مستوى الكتاب بوعائيه الورقي والإلكتروني وعن حركته في السوق العربية؟
القراءة: أزمة قارئ أم أزمة كتاب؟
هل نحن أمة لا تقرأ؟ ولماذا؟
هناك من يرى أن « العرب يقرؤون ولكن غيرهم يقرأ أكثر،»، ولكن القراءة تتراجع بشكل ملموس في الوطن العربي، ولذلك أسبابه وعلاجه. وما ينقصنا بالدرجة الأولى سياسة ثقافية شاملة، تشمل الأسرة والمدرسة والمجتمع، وترسخ عادة القراءة والتعلق بالكتاب والاستفادة مما يقرأ، وتنمية الوعي المعرفي.. ومن ثم تكوين التربة الملائمة للتنمية البشرية المستدامة ابتداء من التنمية الثقافية. ولا يفسر التحول الجزئي في مصادر المعرفة والعلم والمعلوماتية من الوعاء الورقي إلى الوعاء الإلكتروني تراجع القراءة، فإقبال القراء على التعامل مع الكتاب في الوعائين الإلكتروني «الرقمي» والورقي قليل جداً. ومع أن نسبة لا بأس بها من الأجيال الشابة تكتسب المهارات اللازمة للتعامل مع الإنترنيت والمعلوماتية والحواسيب والتقنيات المتعلقة بالمعرفة المخزنة رقمياً إلا أن التعامل مع الكتاب في الوعاء الإلكتروني مازال محدوداً لأسباب تتعلق بأمية في مجال تقنية المعلومات مضافة إلى الأمية الألفبائية المنتشرة، كما تتعلق بالتخزين والإتاحة، وبالقارئ الذي يحتاج إلى توطن عادات جديدة في التعامل والتواصل مع هذا النوع من المعرفة الرقمية.. إضافة إلى حاجته لاكتساب مهارات تقنية محددة. والجهود تتواصل من الأطراف المعنية لتذليل ما ينشأ من صعوبات جراء التعامل مع الجديد والمتطور في هذا المجال.
دور المكتبات العامة في نشر المعرفة
للمكتبات العامة دور مؤثر في نشر المعرفة، فهي تقدم للقراء الكتب والخدمات المتنوعة ومناخاً مناسباً للمطالعة.. ومن الطبيعي أن هذه المكتبات لا تستطيع أن تتحكّم بنوع القرّاء أو بكمهم أو بمستواهم.. ولكنها حين تكون عنصراً جذاباً من دون عوائق فإنها تسهم في تحسين المناخ العام للقراءة إقبالاً واستفادة. والمكتبات العامة تختلف في مستواها ونوع الخدمات التي تقدمها، فهناك مكتبات مركزية ضخمة مثل المكتبات الوطنية في كل قطر، ومكتبات الجامعات، ومكتبات المراكز الثقافية والأندية والجمعيات والبلديات والمدارس..إلخ، والتي يقدّم كل منها مساعدة للقارئ وييسر له سبل التواصل مع الكتاب. ويمكن للبرامج والمبادرات والأنشطة التي تبتكرها المكتبات والوسط الاجتماعي الذي تصنعه أن يسهم في ازدهار القراءة وتمتين علاقة القارئ بالكتاب. لكن السؤال المطروح هو إلى أي حدّ استطاعت المكتبات العامة أن تتزوّد بالتجهيزات الحديثة لتكون منسجمة مع تطورات العصر؟ فالمجتمع العربي بصفة عامة، لن يرقى إلى مستوى الأهمية عالمياً ولن يحقق تقدمه إلا بامتلاكه القيمة العلمية أمام المجتمعات المتقدمة التي يتعامل معها، وذلك يتجلّى في قدرته التنافسية بكل عناصرها المتكاملة والمتناسقة، والتي تكمن بالدرجة الأولى في حسن الإفادة من المعلومات العلمية والتقنية المتدفقة عبر الوسائط الحديثة، وفق خطط وبرامج لإنتاج المعلومات المعتمدة أساساً على كفاءة المورد البشري في ظل الإدارة الذكية لها، فالإبداع ينشأ من خلال توظيف هذه القدرات المتكاملة لصنع القرار العملي في مجال النشاط البحثي أو الخدمي عبر المكتبات المتخصصة.
ماذا يقرأ العرب؟
تفيد الأرقام والمؤشرات المستقاة من قوائم الكتب الأكثر مبيعاً حتى 31 آب/أغسطس 2009 في بعض الدول العربية بأن عدد الكتب الأكثر مبيعاً هو 49 عنواناً، من بينها عنوان مكرر فيصبح العدد 48 وهي موزعة وفق الآتي:
آداب 31 أكثرها روايات ـ سياسة 5 ـ تاريخ وتراجم وسير 4 ـ إسلاميات 3 ـ دراسات إنسانية وفكرية 3 ـ اقتصاد وإدارة أعمال 1 ـ أطفال 1
وفي استطلاع لدار نشر عربية خاصة تبيّن أن: خمسة عشر عنواناً هي الأكثر رواجاً من بينها: كتب دينية 6، كتب ثقافية منوعة» فكر5، أدب ونقد3، معاملات مالية1
واللافت للنظر هو ضعف أو غياب الاهتمام بالكتب العلمية والتقنية والاقتصادية بصورة عامة، ولا نتكلم هنا عن قراءة الطلاب المتخصصين في حقول علمية معينة، ورواج الكتب الأدبية والدينية وكتب الدراسات السياسية والثقافية العامة. وربما كان من أسباب ذلك قرب الكتاب الأدبي « رواية، قصة، مسرحية، شعر..إلخ من القارئ العربي تاريخياً، وانتشار أدب روائي على الخصوص يخاطب الجسد أو يستثيره، وما في نصوص السرد الأدبي من تشويق وتسلية وتجارب اجتماعية تلامس مشاعر القارئ وحتى غرائزه، أو يجد فيها ظلال نفسه. أما تقدم الكتاب التراثي والديني على سواه، من حيث الرواج والإقبال على القراءة فيمثل بدوره ظاهرة جديرة بالرصد والتحليل.
شركاء من أجل الكتاب العربي
سوف يكون هذا العنوان محور الجلسة الثامنة للمؤتمر، وهي عبارة عن طاولة مستديرة يتوّج المؤتمر أعماله بها. وتلخّص هذه المبادرة ما تمخّضت عنه جلسات المؤتمر من أفكار ومقترحات بهدف دعم حركة التأليف
,والنشر وتشجيع القراءة في العالم العربي
وسوف تُناقَش هذه المبادرة في الجلسة الختامية للمؤتمر التي يشارك فيها رئيس اتّحاد الكتّاب والأدباء العرب ورئيس اتّحاد الناشرين العرب وممثلون عن جامعة الدول العربيّة والمؤسّسات الثقافيّة الوطنيّة، ونخبة من المفكرين والمتخصّصين المعنيّين بقضايا المعرفة والتأليف والنشر في العالم العربي.
|